
نظم المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، بشراكة مع مؤسسة فريدريش ناومان، يوم الجمعة 27 فبراير 2026 لقاءً مواطنيًا حمل عنوان “التخليق والسياسة”. شكل هذا اللقاء منصة لتبادل الآراء وفتح نقاش صريح حول جدوى ومدى تطبيق القيم الأخلاقية في فضاء السياسة العامة بالمغرب، وحضرته مجموعة من الفاعلين السياسيين، والباحثين، والنشطاء المدنيين، بالإضافة إلى مواطنين مهتمين بآفاق تحسين الحياة العامة.
افتتح اللقاء بتقديم موجز عن مفهوم التخليق وكيف يختلف، أو يتقاطع، مع مفاهيم مثل النزاهة والشفافية والمساءلة. وأوضحت المداخلات الأولى أن التخليق ليس مجرد شعارات أو قوانين صورية، بل هو مشروع ثقافي مؤسسي يتطلب تفعيل آليات قوية للرقابة، وتربية سياسية مواطِنة تبدأ منذ المؤسسات التعليمية وتمتد إلى وسائل الإعلام والأحزاب السياسية نفسها.

التحديات الواقعية كانت عنوان جل المداخلات: الفجوة بين النصوص القانونية والتطبيق، ضعف آليات التتبع والمحاسبة، التداخل بين المصالح الخاصة والعامة، وانخفاض ثقة المواطن في المؤسسات السياسية. ناقش المتدخلون أمثلة عملية توضح كيف أن غياب معايير أخلاقية واضحة يؤدي إلى تراجع الأداء العام وفتح الباب أمام ممارسات محورية على المكاسب قصيرة الأمد على حساب المصلحة العامة.
من جهة أخرى، ركز عدد من المتدخلين على ضرورة إعطاء الأولوية للشفافية في تمويل الأحزاب والحملات الانتخابية، بالإضافة إلى سن مدونات سلوك داخل المؤسسات الحزبية ومنع تضارب المصالح بآليات فعّالة. كما طُرحت فكرة تقوية الأدوار الرقابية للهيئات المستقلة وتعزيز مشاركة المجتمع المدني ووسائل الإعلام في مراقبة الأداء السياسي.
لم يغب عن النقاش البعد التربوي والتأثير الثقافي: فالتغيير الحقيقي يستلزم إعادة بناء منظومة القيم لدى الشباب، عن طريق برامج تعليمية وحملات توعوية تربط بين المواطنة والمسؤولية الأخلاقية. وإذ اتفق المشاركون على أن التوعية وحدها لا تكفي، فقد تبلورت رؤية متكاملة تقترن بالإصلاحات القانونية والمؤسسية لتعزيز المساءلة.
في ختام اللقاء، خرج المشاركون بمجموعة توصيات عملية من شأنها المساهمة في التخليق الفعلي للممارسة السياسية، من بينها:
– اعتماد مدونات سلوك واضحة داخل الأحزاب والمؤسسات المنتخبة.
– تعزيز الشفافية في تمويل السياسة وإلزامية التصريح بالمصالح.
– تقوية هيئات الرقابة المستقلة وإتاحة أدوات قانونية فعالة للمحاسبة.
– إشراك المجتمع المدني ووسائل الإعلام في آليات المتابعة والتقييم.
– تضمين برامج التربية المدنية مبادئ أخلاقية وسياسية منذ المراحل التعليمية المبكرة.
مثل هذا النقاش يؤكد أن مسألة التخليق في السياسة ليست مطلبًا أخلاقيًا فقط، بل حاجة عملية لضمان فعالية الحكم وبناء ثقة مجتمعية مستدامة. يظل التحدي الحقيقي في مدى قدرة المؤسسات السياسية على ترجمة هذه التوصيات إلى سياسات وإجراءات ملموسة، وهو ما يتطلب إرادة سياسية حقيقية وتعاونًا متواصلاً بين الدولة، الأحزاب، والمجتمع المدني.
يبقى أن لقاء 27 فبراير 2026 خطوة إيجابية نحو فتح حوار وطني أوسع حول أخلاقيات السياسة، لكن نجاحه يقاس بمدى الاستمرارية والمتابعة التي ستنجم عنه، لا بمجرد شعارات أو بيانات عابرة.



