24 C
Dakhla
السبت, أبريل 18, 2026

ميساوي محمد

مدير النشر

ميساوي عائشة

إدارة الموقع

HEBERJAHIZ

مضيف الموقع
الرئيسيةالأقاليم الجنوبيةالداخلة وادي الذهبالداخلة… المدينة التي هزمت الصورة النمطية

الداخلة… المدينة التي هزمت الصورة النمطية

بقلم: محمد مهنا، صحفي فلسطيني

عندما كنت أسمع عن مدينة الداخلة، كانت الصورة الذهنية التي ترتسم في مخيلتي – كما هو الحال لدى كثيرين ممن سمعوا بها من بعيد – مدينة محاطة بالحواجز العسكرية، تعج بالتدقيق الأمني الصارم، وتخيم عليها أجواء التوتر. كانت عبارات مثل “منطقة صراع”، “نزاع طويل الأمد”، و”مدينة على الهامش” تتردد في ذهني باستمرار. وكنت أتساءل: هل سأتمكن من التحرك بحرية في هذه المدينة؟ هل يُسمح بالتصوير؟ هل يمكنني التحدث مع الناس براحة؟ باختصار، كنت أتخيلها منطقة مغلقة، محصنة بالأسلاك الشائكة، وسكانها يعيشون في عزلة خوفًا من المجهول.

لكن كل تلك التصورات بدأت تتلاشى منذ اللحظة التي أقلعت فيها الطائرة من مطار الدار البيضاء متجهة إلى الداخلة. ما لفت انتباهي وأنا أصعد إلى الطائرة هو أن المقاعد كانت ممتلئة بالكامل. نصف الركاب من المغاربة، والنصف الآخر من الأوروبيين: شباب في مجموعات صغيرة، وأسر بأكملها برفقة أطفالهم. هنا بدأ الفضول يتسلل إليّ: لماذا يأتي هؤلاء إلى “منطقة صراع”؟ ما الذي يجذبهم؟ ما الذي لا أعرفه عن هذه المدينة؟

وما إن خرجت من مطار الداخلة، حتى بدأ الجواب يتضح أمامي. لاحظت أن بعض الأوروبيين يحملون معدات كبيرة ومميزة. اقتربت من أحدهم وسألته بابتسامة ودية عن سبب قدومه إلى الداخلة، فأجاب بنفس الود: “نأتي إلى هنا كل عام لممارسة رياضة ركوب الأمواج… إنها من أجمل الأماكن في العالم لهذه الرياضة.” أذهلني رده، ليس فقط لأنه كان مستمتعًا، بل لأنه يعود كل عام. كانت تلك أول ضربة قوية للصورة النمطية التي كنت أحملها.

في طريقي إلى مكان إقامتي، بدأت أتأمل المدينة من نافذة السيارة. شوارع نظيفة ومنظمة، مبانٍ أنيقة بطوابق قليلة، طرق معبدة بشكل ممتاز. لا أثر لدخان الحروب أو ثقوب الرصاص التي اعتدت رؤيتها في مناطق النزاع التي زرتها سابقًا بحكم عملي الصحفي. لم أرَ حاجزًا أمنيًا واحدًا طوال الطريق. كل شيء كان يسير بانسيابية هادئة، وكأن المدينة تهمس لي: “انزع أحكامك المسبقة، نحن نرحب بك.”

خلال الأيام التالية، تجولت بين الأسواق والمطاعم والمقاهي. تحدثت مع أصحاب المحلات، جلست مع السكان ومرتادي المقاهي، وتناولت أكواب الشاي المغربي المنعنع وسط أجواء من الألفة. كانت إجاباتهم على أسئلتي بسيطة وصادقة، تنضح بالرضا وحب المكان. وجدت أناسًا مضيافين، بشوشين، وكرماء في أحاديثهم ومشاعرهم.

لكن ما أثار إعجابي أكثر هو زيارتي لمشروع ميناء الداخلة الأطلسي، الصرح الضخم الذي يجري تشييده بوتيرة متسارعة. مشروع بمقاييس دولية، لا يخدم المغرب فحسب، بل خمس دول أفريقية مجاورة لا تمتلك موانئ. هذا الميناء سيسهل حركة الشحن، ويخفض تكاليف البضائع، ويخلق آلاف فرص العمل لسكان المنطقة. إنه مشروع إنساني بامتياز، قبل أن يكون اقتصاديًا. وقفت أمامه بإجلال وفخر.

علمت أن صاحب الجلالة الملك محمد السادس، أطال الله في عمره، هو من وجه بأن يكون هذا الميناء جسرًا للتعاون الإقليمي، وليس مجرد منفعة وطنية. رؤية ثاقبة تؤكد أن الداخلة ليست مدينة هامشية، بل محور استراتيجي في قلب التنمية الأفريقية.

غادرت الداخلة وأنا أشعر بالدهشة والامتنان لكل فكرة خاطئة حملتها عنها، ولكل حكم أصدرته قبل أن أعرفها. لقد علّمتني هذه المدينة درسًا عميقًا: الحقيقة لا تُروى من خلف الشاشات أو عبر نشرات الأخبار، بل تُعاش على الأرض، وتُلمس في عيون الناس، وتُحس في دفء قلوبهم.

الداخلة ليست مدينة نزاع، بل مدينة سلام واستقرار، تجمع بين جمال الطبيعة الساحر ومشاريع تنموية طموحة، وأناس يحملون المستقبل في عيونهم. إنها لوحة مغربية نادرة، تمزج بين سحر الصحراء وزرقة الأطلسي، وبين الكرم الحساني وروح المغرب الحديثة.

الداخلة، ببساطة، مدينة يجب أن تُرى… لا أن تُحكى فقط.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -spot_img

الأكثر شهرة

احدث التعليقات