- في إطار الندوة الدولية التي نظمتها اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر يومي 20 و21 يونيو 2025، بمشاركة 35 من الصحافيين والإعلاميين والخبراء من دول أوروبية وعربية وأفريقية وأمريكا اللاتينية، إلى جانب عدد من الصحافيين المغاربة، قدمت الصحافية الإسبانية باتريثيا ماجيدي شهادة صادمة عن تجربتها في تحقيق ميداني أجرته في تندوف والعيون، كشفت فيه عن حقائق مغايرة لما يُروَّج عن أوضاع الصحراويين في مخيمات تندوف.
-
رحلة البحث عن الحقيقة بدأت باتريثيا، وهي صحافية تحمل لقباً عربياً يحمل قيم الشرف والصدق، رحلتها إلى تندوف بدافع الفضول لمعرفة الحقيقة التي غابت عنها طويلاً. تقول: “كل ما كنت أعرفه عن تندوف كان صورة خيمة كاكي محاطة بالعسكر”. قررت السفر بمفردها دون بروتوكول رسمي، لتعيش حياة الصحراويين عن قرب، بتنظيم من جبهة البوليساريو عبر ممثلها في إقليم الباسك.
لكن ما شاهدته في تندوف كان صادماً. منذ وصولها إلى المطار العسكري، شعرت بالصمت المخيف والمراقبة المستمرة. رافقها شخص يُدعى “جيل”، كان يُفترض أنه سائقها، لكنها شعرت بأنه مراقب لها. لم يُسمح لها بإجراء المقابلات بحرية، وواجهت عراقيل كبيرة للوصول إلى الحقيقة. تحدثت عن قافلة مساعدات محجوزة في ميناء وهران، ولم تجد أثراً لها عند زيارتها للهلال الأحمر في تندوف، مما أثار شكوكها حول مصير تلك المساعدات.
تجارة المساعدات ومعاناة الصحراويين في وثائقيها المعنون “من تندوف إلى العيون: طريق الكرامة”، كشفت باتريثيا عن تجارة منظمة للمساعدات الإنسانية. الأدوية والمواد الغذائية التي تُرسل كتبرعات من إسبانيا ودول أخرى تُباع في محال تجارية وصيدليات، بل إن إحدى الصيدليات كان يديرها مدير المستشفى المحلي، وهو من أقرباء مسؤولي البوليساريو. حتى الماء، المموّل مجاناً من الاتحاد الأوروبي، يُباع للصحراويين. وصفت المستشفى بأنه “لا يحتوي حتى على حبة أسبرين”، مما يعكس حجم الإهمال.
وخلال رحلتها، التقت بصحراوي يعارض البوليساريو، كشف عن تعرضه للملاحقة والمعاملة الوحشية بسبب محاولته تقديم شكوى. كما أشارت إلى وجود سجن يُعرف بـ”سجن الرشيد”، حيث يتعرض
المعارضون للتعذيب.
-
العيون: صورة مغايرة بعد خمسة أيام في تندوف، قررت باتريثيا زيارة العيون في الصحراء الغربية التابعة للمغرب. وهناك، تفاجأت بواقع مختلف تماماً. لم تجد مخيمات، بل مدينة حديثة تضم مطاعم عالمية مثل ماكدونالدز، وهو ما أثار دهشتها لأن “ماكدونالدز لا يُفتتح في مناطق نزاع”. التقت بصحراويين يشغلون مناصب قيادية في المدينة، من رؤساء جهات وبلديات، وجميعهم كانوا ينتمون فعلياً إلى الصحراء.
في مقابلة مع الشاعر البشير الدخيل، أحد مؤسسي البوليساريو، كشف أن الجبهة تحولت إلى “شركة خاصة بتمويل عام إسباني”، حيث تُدار الأموال دون رقابة. وأشار إلى تعرضه للاعتقال بعد انشقاقه عن الجبهة، مما يؤكد قمعها للمعارضين.
دعوة لكشف الحقيقة عند عودتها إلى إسبانيا، واجهت باتريثيا تهديدات من البوليساريو وحملات تشهير، لكنها أصرت على مواصلة رسالتها. ودعت الصحافيين إلى البحث عن الحقيقة ميدانياً، بعيداً عن “صحافة المكاتب”. وأكدت أن الصحراويين في تندوف هم “الرهائن الحقيقيون”، يُستخدمون كأداة لجمع التمويلات التي لا تصلهم.
كما أشادت بالتضامن الاجتماعي في المغرب، مستشهدة بمشهد توزيع الكسكس يوم الجمعة على المحتاجين، وهي ممارسة لم ترَ مثيلها في إسبانيا. وختمت بدعوة لمشاهدة وثائقيها، مؤكدة أن الحقيقة تتطلب الشجاعة والذهاب إلى الميدان بنفسك.
خاتمة تحقيق باتريثيا ماجيدي يكشف تناقضاً صارخاً بين الرواية المروَّجة عن تندوف وواقع العيون. شهادتها ليست مجرد تقرير صحفي، بل دعوة لإعادة التفكير في القضايا الإنسانية بعيداً عن التضليل. ويبقى وثائقيها “من تندوف إلى العيون: طريق الكرامة” وثيقة حية تروي قصة البحث عن الحقيقة في زمن الصمت والتهديد.
تحقيق صحفي يكشف الحقيقة: مقارنة بين تندوف والعيون بعيون صحافية إسبانية
مقالات ذات صلة



